الغزي

158

نهر الذهب في تاريخ حلب

إلا نزل به وكان يقول كانت والدتي محسنة إلى أهله وتوصيني به خيرا وفيه بساتين وزعفران وفيه يقول الحسن بن علي التميمي : يا دير مارت مروثا * سقيت غيثا مغيثا فأنت جنة حسن * قد حزت روضا أثيثا « 1 » وكانت الحكومات الإسلامية في تلك الأزمان تثق بأمانة المسيحيين وتعتمد عليهم في مهماتها وتستخدمهم في أجل وظائفها . فقد ذكر ياقوت في كتابه المذكور أيضا أن صاعد ابن شمامة الحلبي النصراني كان مستخدما عند بني مرداس في كتابة الدولة . قال : وهو القائل في الخمرة : خافت صوارم أيدي المازجين لها * فألبست رأسها درعا من الزرد واستخدم الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين في جباية أموال مملكته ، أي في نظارة ماليته ، كريم الدولة بن شرارة النصراني . على أن تشريفه بعنوان ( كريم الدولة ) كاف في الاستدلال على الاحترام الذي كان يوجهه إلى المسيحيين أعاظم ملوك الإسلام . وكان المسيحيون في حلب يساكنون إخوانهم المسلمين في محلاتهم غير منفردين عنهم . وكانت بعض معابد الأمتين متجاورة . ومنها ما هو مقبل ببابه على باب معبد الطائفة الأخرى . قال ابن شداد : فكان يقف على باب الجامع كذا وكذا بغلة لرؤساء المسلمين من الكتّاب والمتصرفين . وعلى باب البيعة كذا وكذا بغلة لرؤساء النصارى من الكتاب والمتصرفين . هكذا كانت حالة الوفاق والمواساة سائدة بين هاتين الأمتين المغتبطتين بحسن الجوار ومكنة الجامعة الوطنية .

--> ( 1 ) الأثيث : ذو الأشجار والنباتات الكثيرة الملتفة . وقوله في البيت الأول « مارت » يقرأ بإسقاط الألف ليستقيم الوزن « مرت » .